وكالة أنباء الادب العربى
مرحبا بكم فى وكالة انباء الادب العربى

موسوعه كتاب القصه بمصر / على حزين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موسوعه كتاب القصه بمصر / على حزين

مُساهمة  وكالة انباء الادب العربى في الأربعاء مارس 23, 2016 10:29 am



الرحلة
بجوار ماسح الأحذية... وبائع الليمون ... كان يجلس " بكر تونة "...
يبيع اللب , والفول السوداني ... يخرج كل يوم من بيته ... القاطن بساحل طهطا ... مع أول ضوء , وقبل أن تطلع الشمس .. تراه يتعكز في الشارع الطويل .. يدب علي الأرض بخطوات ثقيلة ضعيفة.. ناهز السبعين خريفاً أو يزيد عليها قليلاً , وما تقوس ظهره , وما انحنى , ثقل سمعه , وضعفت قوته , وشاب رأسه , إلا انه يملك بداخله قلباً كبير أخضر .. ينبض بالحياة مليئاً بحب الخير للناس , متفائل دائماً , عطوفاً, متسامحاً, طيباً , مصلح بين الناس, يكتفي بكوب الشاي الساخن , ليغير ريقه , حتى يشعل سيجارته يسمي الله ويتوكل عليه.. يخرج .. يتح في مشيته .. وما إن يصل إلى الجامع الكبير.. بجوار السكة الحديد.. يتوضأ.. يصلي الصبح .. ثم يفترش كرتونه يضع عليها كميه صغيرة من النبق,والفول السوداني أمامه..وبعض الأوراق التي يبتاعها .. من أولاد المدارس .. تارة ينقض النبق .. وتارة أخرى يفصص الفول ليعبئه في قراطيس صغيره..ثم ينادي بصوته الجهوري علي من يشتري .. حني يستفتح منه ..
ــ النبق ..الفول السوداني ..ببريزة ..
وحين يركد السوق ..يذهب إلي احدي المدارس ..القريبة منه ,ليبيع للصبية الصغار .. أو يتجول في موقف العربات .. يبيع لركاب " المني باص " والسائقين الذين يحبونه .. ويضحكون معه .. فإذا رجع لمقرة عند الجامع عند الجامع .. بجوار ماسح الأحذية , وبائع الليمون ,اللذان يخبرانه بأن أبنه الصغير ألشيخ "علي" جاء وسأل عنه.. يجلس..وكل منهما منهمك ومشغول بما في يديه .. ماسح الأحذية يضرب .. بالفرشاة علي الصندوق الخشبي المزين بالصور , والدبابيس اللامعة , حتى يضع الرجل الواقف علي رأسه حذائه , وبائع الليمون يبيع لامرأة شمطاء ..أما هو فيظل يفرز .. وينقض .. ويقشر .. وينادي علي من يشتري منه.. والميدان يضج من حولهم بالمارة .. في حركة دائبة..لا تنقطع .. وتلكسات العربات.. تمخر الآذان , والعظام والأعصاب ..!
ـــ اللب ..الفول السوداني .. النبق الحلو ..
أهل البلد يعرفونه جيداً.. وكثير ما يتندرون بحكاياته , وبطولاته.. التي لا يمل , ولا يكل من ذكرها .. " لكل من هب ودب ".. ذات مرة سمعتهم يتذكرون , واحدة من تلك البطولات , والتي مازالت تتعيش في خياله .. " يوم كان الانجليز يحتلون البلد .. ضرب عسكري إنجليزي ..عندما سمعه يسب أمامه الملك ..أخذه في باطه.. ثم رفعه إلي أعلى..ثم أهدره في الأرض ثم انهال عليه ضرباً باليمين ..حتى كاد أن يقضي عليه لولا تدخل الهجانه" وكنت أسمعهم وأنا سعيد وفخور به .... أذهب إليه من حين لآخر .. أجلس بجواره في صمت , وأدب فأنا أحبه كثيراً.. وأحب أن أراه دائما كل يوم .. أقضي له حاجاته ... وألبي ما يريد من طلبات .. أجلس بجواره أصغي السمع .. وهو يتحدث لي وأنا أتفرسه في صمت , وهيبة , وفي حب ... اقرأ ملامحه القمحية , طويل القامة ,عريض المنكبين , دائماً يرتدي جلباباً بلدياً فضفاضاً , بنية اللون ..أو صافيه.. يتشح شال رمادي , فوق رأسه عمامة مكورة , بيضاء , وطاقية صوف , شغلتها له "أم صباح "علي يدها تلك المرأة التي تسكن بالحجرة المتلاحمة لحجرة زوجته الثانية ... أراه يستصعب .. يمصمص شفتيه .. وهو يقلب كفيه .. مترحماً على أيام زمان ذلك الماضي الجميل .. وأيامه التي ولت .. ويتمني أن تعود .. ولكن هيهات هيهات.. فالدنيا قد تغيرت من حوله..والأيام قد دارت عليه وجارت ,فأصبح بعد أن كان تاجراً .. ومعلماً كبيراً..وله سمعته في السوق, يبيع اللب والفول السوداني , أمام الجامع في حين صبيانه الذين كانوا يعملون تحت يديه أصبحوا معلمين كبار .. يتنهد.. يتأوه .. يزفر .. زفرة طويلة , حاميه .. وهو يتحدث لي بنبرات كلها حزن , وألم .. وفقر متقع , عن تلك ألأيام .. وعن الدنيا , وبلائها .. والزمن الصعب .. ثم يشرد بذهنه هنيهة بعيداً, فلا أدعه يطيل التفكير .. أفتعل السعال ..أكح ,أتنحنح ..أكلمه..أسأله ..حتى ينتبه يستأنف الحديث معي ...عن الدنيا ألتي يشبهها دائماً "بالغازية" التي كان يشاهدها زمان في الموالد ...
وكان يحكي لي قصة تلك " البوتيكات " المرصوصة في ظهر المحطة .. هو يشير إليها ببنانه .. ويحكي عن أصلها .. يوم كان دريسة .. البنايات الشاهقة .. وموقف العربات .. والميدان .. وشارع المحطة , الذي لم يكن فيه غير جامع "ألشيخ عبد العال " والري القديم ..والمركز .. ثم يهمس:
ـــ "زمان ياولدي كانت الدنيا برخص التراب " ..!!!
رجل أنيق .. بيده طفل صغير .. يقترب منه .. ليشتري نبق .. وفول سوداني لابنه.. يناوله كيساً كبيراً..وهو يبتسم ..في وجه الصبي وأبيه ـــ هكذا هو يصنع في وجه من يشتري منه ـــ يشكره الرجل ..وهو يعبر الطريق ..المزدحم بالمشاة ..والعربات .. وبنات المدارس بزيهم الأزرق .. أعطيه سيجارة ... يشعلها .. يأخذ منها نفساً طويلاً .. يحبسه في صدره ثم يخرجه من انفه وفمه .. وهو ينادي بصوته الجهوري ..علي من يشتري ..
ـــ الفول السوداني ..النبق الحلو.....
المحه يدس يده في جيبه ..فتخرج بقطع من الحلوى الجلاب .....وقنديل "مشوي" وبعض من النقود الزهيدة ..يدفعها في جيبي ..وهو يبتسم يدنو برأسه من أذني .. ينصحني .. ويوصيني أن أنتبه لدراستي ..والمذاكرة .. فهو لن يعيش لي قرناً .. كما يقول لي دائماً .. تترقرق الدموع في عينيه الذابلة , فيجففها بطرف ردائه.. يحتقن صوته.. يطرق هنيهة تفكير .. بعدها يربت علي كتفي ..ويهز رأسه .. ثم يدعو لي بطول العمر..والرزق وأشياء أخري.. كثيرة .. فهو يحبني كثيراً جداً..وأنا أحبه أيضاً..علي الرغم أن معه ثلاثة أولاد غيري ..لم يبخل علينا في يوم من الأيام..ولم يحرمنا من شيء .. يلبي كل طلباتنا .. وكان يرفض أن نعمل تحت يدي احد .. وكان يدللني كثيراً جداً .. فأنا أصغر أولاده ....
أذكر وأنا طفل صغير ... كان يجلسني بين يديه .... يقبلني بين عيني ... يضحك... وهو يطلب مني .... أن أتلو عليه ما حفظته في الكتاب من القرآن وكان يعطيني قطعة " بخمسة قروش " ويصطحبني معه.. ليشتري لي الحلوى .. أسمي الله , بعد ما أستعيذ من الشيطان الرجيم ..أقرأ " ألم نشرح لك صدرك " أسمعه يقرأ معي بصوت منخفض .. خافت .. فإذا أخطأت صحح لي وصوب الآيات .. وهو يشدني من أذني ويمرسها .. ثم يؤمن ويصدق ثم يضمني بين زراعيه .. يقبلني ثانيةً .. وهو هاش باش في وجهي يلتفت لامي .. يوصيها بي خيراً ..ويطلب منها أن تراضيني وترضي عني فترفض أمي ذالك .. وهي تقول في غضب ..ممزوج بالغبطة والسعادة:
ـ دلعك ده هيضره ..
فيضحك .. وهو يضمني بين ذراعيه ويقبلني قائلاً لها
ــ خليه يدلع يومين قبل ما أموت ....
تضرب أمي علي صدرها .. بيدها.. مندهشة , وتبادره بنبرات دافئه .. مليئة بالحب .. والصدق :
ـ بعد الشر عنك إن شاء الله عدو ينك ...
تنتظره أمي أمام الدار كل يوم حتى يعود وتنشغل عليه .. إذا تأخر عن موعده , وتقلق فترسلني أبحث عنه لنطمئن , ألمحه من بعيد ..علي أول الشارع .. يتعكز علي الحيطان .. يرجع بعدما يكون قد صلي العشاء جماعة يمشي الهوينة ...يتسند الجدران .. في الشارع الطويل...وفي يده كيس أسود به من فضل الله كثير .. تستقبله أمي , بابتسامتها المعهودة , ألصافيه .. الحانية , الجميلة , وقبل أن يتخطى عتبة الدار .. تبادره كالمعتاد :
ــ تأخرت ليه ..؟؟.
يجلس يئن .. يتأوه , يتألم ...وهو يشتكي لها من ظهره , وقدميه .. فتعيد أمي عليه سؤالها ...؟ وهي تعد له الطعام , فيجيب فضولها بصوت قوي , لم يشح بعد :
ــ كنت بلقط رزقي ... أين الولد ؟؟
ــ فوق بيذاكر ؟؟؟
ينادي علي ...أنزل مهرولاً... أجلس أمامه كالمعتاد ... نتناول طعام العشاء يهمس في أذني مخبراً " أن شيخي "الشيخ أبو زيد " بيسأل عنك .. وأنه مبسوط مني جداً .. ويريد أن اجتهد في ختم القران , المذاكرة "..
بالأمس القريب حين ــ ذهبت إليه ــ حين تأخر عن موعده .. بحثت عنه عند الجامع الكبير ... وموقف العربات ... فلم أجده ... فقد أصبح المكان خاوياً.. احتضنت كرتونته الورقية ..... وعيوني تذرف الدمع .... وكأني به ينادي :
ـ الفول السوداني ....والنبق الحلو ......



إنشطار
قصة قصيرة : بقلم : على حزين

بالأمس .. انتابتنى حالة وجدانية .. فكرة قصة جديدة .. أطلت برأسها ألحت فى الخروج .. راودتنى .. أمسكت القلم .. أخذت أحاول .. قلبت ذاكرتى .. أحشائى .. أوراقى المهملة .. عانيت .. تعبت .. يسألت نفسى .............؟؟؟؟!!!!!
" ماذا سأكتب .. وكل ما برأسى تافه .. فارغ .. مجردثرثرة ثمجة .. ومملة .. وأفكار هشة ضعيفة .. لا تصلح لصياغة قصة .. مواقف " درامية " .. " كوميديا " .. من زمن غابر .. أحتفظ بها .. فى جمجمتى .. وأحداث عادية جدا وعابرة .. إذا تحدثت عنها إنقلب الحديث إلى ثثرة سمجة .. تجعل من يقرأهاأو يسمعها يمل.. وربما امتعض وزهق وظللت غارقاً في حيرتي .. اكلم نفسي .. اتجول في غرفتي .. أمسك أوراقي تارة وبيدي الاخري أمسك رأسي .. أكتب شيئاً ما .. دار بداخلي .. أصغي يصرخ .. أكتب أشياء .. أعيد قراءتها ..أخجل منها .. أشطبها .. أمزقها .. أكتب غيرها..أتوقف للحظة .. أعيد قراءتها ف .........."
" 2 "
" ولما كانت نفسي غير هادئة أطفأت المصباح .. لففت جسدي بالظلام الدامس ... أسترخيت .. فوق سريري .. حتي يهدأ الألم .. الذي كان يعصف برأسي .. شددت جفوني علي دبابيس .. غرست في الشبكية .. حاولت أن أنام .. استعذت بالله من الشيطان الرجيم .. وقرأت الفاتحة المعوذتين .. الصمدية .. ووهبت ثواب ما قرأت .. لروح أبي الذي فارقنا ..منذ تسعين يوما .. ثواني معدودة .. ثم أنتفض من جديد .. شيطان الكتابة .. من قمقم رأسي .. المتعبة .. يشدني من أذني .. التي نفس فيها شره ووسوس في صدري ..ببضع كلمات ... وأنصرف .. فوثبت كالمجنون .. أبحث عن أوراقي .. أحشائي .. مصباحي .. ذاكرتي أقلامي .. كانت أوراقي ملقاه علي ألأرض .. مبعثرة .. بطريقة عشوائية.. أمسكت واحدة نجي ما بداخلها .. حملقت بين السطور .. أبحث عن موضع .. حتي أضيف ما القاه الشيطان أنفاً .. لكن الكلمات راحت .. تتفلت .. تهرب .. تفر .. تتسرب .. تتبخر .. تتلاشي .. أشتَطُ غيظاً .. تمنيت لو أني أري الشيطان الرجيم .. حتي أُسعه لكماً .. أو ضرباً علي أُم رأسه بالنعال .. ليموت ألف مرة .. لأ ستريح منه .. وأنام .. فأنا الليلة .. متعب .. مجهد ... ومريض ..
" 3 "
" وحين عادت ألأفكار .. تتقافز من جديد في رأسي .. وعاد معها اللعين .. يوسوس في صدري .. وعادت الصور .. تمرق من أمام عيني .. بسرعت البرق .. وألأحداث المتراكمة .. المزدحمة .. تتداخل . تتداخل .. في عراك مرير .. كنت في أسترخاء تام " عصرت رأسي بكلت يديّ .........." لأن الصداع كان يفلقها نصفين .. أو ثلاث . أو أربع " .... أتذكر ...... أسترجع ......
" 4 "
في المساء ذهبت .. الي بيت أخي الكبير .. ـ لا أذكر لماذا ذهبت
ـ فوجدت البنت التي كانت .. وهي صغيرة .. تصعد علي السطح لتجلس امامي .. بالسعات في الشتاء والصيف .. بيدها المرآة .. والمشط.. والكتاب الذي تتخذه حجة للمذاكرة .. يتوسد حجرها .. في سكون .. وكانت تتعمد كشف شعرها أمامي ..لتمشطه فأري سبائكه الذهبية ؟؟ تتطاير مع الريح .. " وكانت تكشف أشياء أُخري من جسدها " وجتها تزف لأبن الجيران ..
" ملحوطة " :
ــــــ" بعد اليوم سوف أجلس وحيدا ..أستمع الي مدفع الإفطار بمفردي "
"5 "
الصور تتراقص .. من جديد .. تهتز هزات عنبفة .. والأفكار تتصارع تتداخل .. في معركة مريرة .. أصابت رأسي بدوار .. يشبه دوار البحر فصرت أشعر ..وكأن مطارق من حديد .. تدق رأسي .. تفصلها عن عنقي .. وتلقي بها الي الجحيم .......
نهضت .. تركت أوراقي .. أفكاري .. أحشائي .. صوري .. أقلامي .. وضوء المصباح " في الشهر المنصرم ..دفعت خمست عشر جنيهاً .. لمحصل النور .." أفكاري تمزق رأسي .. تشرئب .. تتهم قدراتي .. وتشكك في شخصي .. " صنعت كوباً من الشاي علي " وابور الجاز " وضعته أمامي .. بقطعتين من الجمر المالتهب .. لسقت في رأسي أتأمل أبخرته ..وهي تتصاعد .. علي شكل حلزوني .. أوراقي .. متناثرة مُتكورة مبعثرة فوق الأرض .. أمسكت واحدة .. مددنها أمامي .. وأنا أشعل ذاكرتي .. وسجارتي العشرين .......
" 6 "
في شبه غيبوبة .. " مرقت صورة من أمامي .. سريعة .. خاطفة .. لمتاة كانت غرفة نومها .. تطل علي غرفة نومي .. في البيت الذي كنت .. أسكنه .. في المدينة البعيدة " .. فأرجأتها الي قصة أخري " .............
" وصور أخري كثيرة ... مخلة ... مخجلة ... ألحت عليّ ... فرفضها تماماً .... ".ّ!
" ملحوظة أخري " :
ــــــــ" حين قالوا ليّ ان أي أمرأة ما ... تشبه أي أمرأة ما ....كانوا خاطئين ....."؟!
رميت السجارة التي لسعتني ... بين أصابعي .... تنبهت لكوب الشاي ارتشفت منه رشفات ... متتاليات ... أتكأت علي جني ... أفكر .... أتذكر .... أسترجع ..........
" 7 "
" حين رأيتها تصلح من ثوبها ... أمام المرآة ... الضخمة ... خنثت ... وأنا محتقن .. مترقب ... ما ثيحدث بعد ذلك ... ولأن المكان حساس جداً .. والموقف .. وقع قلبي ودمي هرب.. نهضت .. وركبتاي تضربان في بعضهما .. وخجلت من نفسي.. ومنها . "
موقف سخيف ... لطالما أتعمد استبعاده ... عن ذهني دائما .. ولن أذكره ... فأنا متوقع عدم جدواه ... " ...إذا لا داعي لذكره .. حملقت في المصباح .. المكتب .. الكتب ... الهدوم .. المعلقة فوق الحائط .. في شماعة ... اشترتها ليّ امرآة أخي .. من السوق ..... أتذكر .... أسترجع .....
" عراف أبله .. يدعي الغيب .. كان يحضر الي بيت جارتنا ...ليقرأ لها الكتاب ... والنسوة محتشدة.. مجتمعة .. وهنّ يحطنه من كل جانب .. وكانت أمي وسطهنّ .. وأنا طفل صغير ... أعي ... وأفهم كل شيء سألته أمي .. ان يقرأ ليّ الطالع ... وأعطته " ربع جنيه " .. فتح الكتاب قلب في صفحاته .. غمغم ... ثم تمتم ... ببعض كلمات غامضة ... وغير مفهومة ... وأنا أتابع إرتعاشة يديه ... وشفتيه .. ولحيته الكثة .. البيضاء ..ودوران عينيه في محاجرها ... ثم رفع رأسه .. فجأة .. ورنا إلي بجمرتين .. كبيرتين .. وقال ... بنبرات مرتعشة .. وقد وضع يده علي رأسي ..
ـ سيعيش غريباً في بلاد بعيدة ..... وسيتزوج من أمرأتين ... ؟!!.
وأخذ يرددها .. وكأنه يغنيها .. وهو يهز رأسه .. ويبتسم ... فضحكت أمي من كلامه .. وهي تضرب علي صدرها بيدها.. متعجبة مندهشة .. وعندما طلبت منه .. أن يوضح لها الأمر أكثر .. هرش في رأسه .. بذكاء .. وبلياقة .. وبلباقة .. يحسد عليها أعتذر متعللاً بأن الشمس قد غربت .." .؟.!!!
" ملحوظة أخيرة " :
ـــــــ" أنا أكره الغربة ..والسفر..وحتي الأن لم أتزوج.. لأني لم أزل أبحث..عن أنثي.. أختصر الله فيها جمال الكون .. أنثي مغايرة عن كل نساء الأرض.. وفيها جمعت نساء الأرض "...
" 8 "
خرمشت القطط .. الضالة .. وهي تبحث عن بقايا السمك .. في سلة المهملات .. تغيظني .. تشتت ذهني .. تقلع أعصابي .. والصور .. تتطاير من أمامي .. والساعة كانت تشير الي الخامسة صباحاً .. قرأت ما كتبت .. تأملته للحظة .. هممت أن أتخلص منه .. فقد ساورني شك بأنيّ قد أطلت .. وما طولت .. ما أرت .. وبأن كل ما كتبت .. وما قلت ..مجرد أحداث ثمجة .. وثرثرة فارغة ,, ممللة .. ولا تهم القارئ في شيء .. وساوس قزفها الشيطان اللعين في رأسي .. ونسل .. ونزوي لي هامساً .. ناصحاً أميناً .. بأن كل ما كتبت .. كلام فارغ .. وبأنيّ قد أضعت وقتي .. ووقته الثمين فثاورني شك .. بأن كل ما كتبته .. كلام فارغ .. فهممت بأن أشطبه .. أو أمزق أورأقي لكني أكتفيت . بتكويره في يدي .. القائه علي الأرض ......
" القصة سطحية.. وليس فيها حبكة قصصية ..أو فكرة محورية .ضعيفة جداً .. وخالية تماماً من المضمون .. مباسرة .. ولا تصلح لنشر .."
هكذا ستقول قارئي العزيز .. الفاضل .. عندما تسمع .. أو تقرأ قصتي التافة .. وربما سأمت .. أو مللت .. وزهقت ومتغضت .. وربما هربت هيناك .. من تتابع الصور .. التي فيها .. إلي رفوف المكتبة .. أو إلي أي شيء أخر...تستغيثه .. وتستنصره .. أو ربما توقفت عن القرأة .. أو ربما مزقتها .. وارتحت مني ومنها جميعا .. وكل هذا من حقك .. .................
" 10 "
أكتفي بما كتبت .. أكوره بين يديّ .. أفعصه بأصابعي .. أفركه .. أهم أن أضرب به عارض الحائط .. تقفز صورة أخري .." لفتاة جميلة .. مراهقة .. مسرعاً أقفز ..أفرد الأوراق من جديد ... تطل من رأسي .. تراودني ... تعرض علي نفسها ... أتريث قليلاً تلح علي بشدة .. أمسك القلم ... وأنكب علي المكتب ... أكتب ... كان الفستان حريرياً .. شفافاً .. يبرز التفصيل .. بسمتها ساحرة ..عطرها فواح ... ينفذ من الجسد الدن .. فيدخلني بأنتعاش .. فاتنة .. يستقبلنا برج المدينة .. الشاهة كأحلامي .. والهواء الملوث بالأتربة .. والدخان ألأسود ..يملأ المكان ... والبنت المراهقة تلملم شعرها ... المتمرد بين يديها .. تهدئ من ثورته .. الجامحة .. مثلي تماماً بتمام .. تظهر وتختفي سريعا ً .. إعلانات ملتصقة ..متباعة .. مبعثرة .. في كل مكان .. " أرجوك اعطني هذا ......." ... " أمرأة من ...... " الراعي والنساء " .." النمر والأنثي "..... "الزعيم "..وشريط جديد ل " ميادة " . ألتهم وجهها البرجوازي بشرااة ..و ............
أتذكر ... أسترجع ... أفكر .... تثقل رأسي .. فتسقط ألياً علي المكتب .. تهرب الكلمات ... وتطير الصور ..المتراقصة .. تهتز ... هزات خفيفة ... والأفكار تتراجع تتلاشي تدريجياً .. حتي تختفي تماماً حينها شعرت براحة غريبة .. عارمة .. أطفأت المصباح .. فردت جسدي علي السرير .. أسترخيت تماماً .. عادت الصور ... تتراقص . الفتاة الجميلة .. وعاد معها اللعين .. تتزاحم الأفكار ..تتداخل الصور قهراً أغمضت عيني ... وستعذت بالله ...وقرأت القرأن .. فسكنت روحي ... وهدأت .. وأحسست براحة ... غامرة .. وروحي تنسل مني ... وتنسحب إلي قاع ..... س .....ح...... ي ..... ق ....



عم بخيت والسمك الكبير

قصة قصيرة بقلم / على حزين

عم بخيت , في العقد الخامس من عمره .. نحيف العود .. لا بالطويل البائن .. ولا بالقصير .. يرتدي جلباباً بلدياً .. فضفاضاً صافية بلون السماء .. وطاقيته فوق رأسه .. وشاله علي كتفه دائماً هاشاً , باشاً .. في وجه الناس جميعاً .. سهلاً .. سمحاً.. مرحاً .. بسيطاً , عشرى ومتواضع جداً .. أهلي , ومنفتح على الآخرين .. ولا يعرف الهم ..أو الحزن طريقاً له هكذا عهدته .. وهذا هو الانطباع الذي يتركه ..من أول وهلة .. في نفس من يراه .. ومن يدنو منه .. ومن يكلمه يشعر..وكأنه يعرفه من زمن بعيد .. ما من مرة ذهبت فيها للإدارة التي بجوار المحطة .. إلا ووجدته يضحك مع الكبير , والصغير .. والرئيس , والمرؤوس.. فهو يحب الضحك والانبساط .. وربما تعداهما إلى اللهو البرىء.. والهزار مع الموظفين الذين يحسدونه على ذالك.. ويعدونه ترفيهاً .. وترويحاً عن النفس..ليخفف عنهم ساعات العمل الطويلة..
"عمله في الإدارة فراش.. وقائم بالكانتين (البوفيه) .. ليس هذا فحسب.. بل له في كل شئ .. دفاتر.. تحضير .. ورق الإجازات المأموريات .. الخ .."..
شاطر جدا.. وشهم .. وابن بلد .. فهلوي .. قدمه هي أول رجل تدب ــ كل صباح ــ في الإدارة .. يفتح .. ينظف المكاتب .. يكنس .. يمسح .. ثم يجلس بعدما يكون قد وضع غلاية الماء علي النار.. يستقبل الموظفين.. بابتسامته المعهوده .. التي لاتغيب عن وجهه البشوش أبداً .. بنظراته الممعنة .. الفاحصة .. يتفقدهم .. ومن لم يحضر يسأل عنه .. وإذا رأى أحداً .. مهتما أو محزوناً .. أو حتى صامت .. لا يدعه .. يصمت.. بروح الدعابة .. والمرح.. يكلمه حتى يضحك ..
ــ ما لك .. المرأة ضربتك النهاردة ولا إيه ؟؟!.
ينظر اليه .. مبتسم في وجهه.. وربما ألقي له بكل ما يحمله في جوفه .. من هموم الحياة ونغصها .. ويفضفض له عن مشاكله التي لا تنتهي إلا بانتهاء العالم .. ينهض عم بخيت ليعد الشاي .. وهو يلوح بيده.. وفي وجهه ابتسامته الجميلة .. وهو يردد :
ــ ملعون أبو الدنيا.. ولا يهمك ..روق واشرب الشاي .. مافيش حد واخد منها حاجه!
وعندما يكون الزحام على أشده في أخر الشهر.. والكل منهمك ومشغول بقبض راتبه تراه .. لا يكف عن التصفيق .. وتعليقاته اللازعة .. ومشاكسته الطريفة تسمعه بين الفينه والفينه .. يرفع عقيرة صوته بكلمه واحده .. والتي تكاد تكون شعاره له.. أو من إختراعه .. والكل يحفظها عن ظهر قلب ..
ــ أوعى السمك الصاحي .. السمك الكبير ..!!!.
عم بخيت .. رجل مزارع .. فلاح معه أرض .. يقوم على زراعتها .. بعد إنتهاء ساعات العمل الرسمية .. أحياناً أراه يحمل فأسه خلف دراجته .. والمقطف .. وهو يغني فوق الجسر الحربي .. بصوت يسمعه من يمر بجواره :
ـــ :" يا بحر يا أبو البحور موجك لعب بي .. عشمتني بالسمك ونزلته الميه ... دوبني موجك ليه ليه .. على البحر ورماني .. واللي بدور عليه .. سايبني وحداني " ذات مره .. ذهبت إليه لآخذ راتبي الشهري .. فقد كلفته أن يأخذه من الصراف .. فهو محل ثقة من الجميع .. فأرشدتني زوجته القديمة علي مكانه في الحقل .. ( يقال بأنه تزوج بامرأة أخرى لتنجب له الولد .. وهي حامل في شهورها الآولى ) ..فذهبت اليه في الحقل .. فرأيته مترباً , وعفارت التبن تملأه.. وهو يدرس القمح .. وقفت للحظة فوق رأسه .. وهو لا يشعر بوجودي .. مرتدياً سرواله الطويل الآبيض .. والسديري فوق فانلته الصوف , قد امتلأت بزرات التبن .. والطاقية على رأسه .. والعمامة مفرودة على كتفيه .. أعطيته صوتي لينتبه اليّ
ـــ يا عم بخيت ..؟!
التفت نحوي .. وإبتسامته المعتادة .. تعلو وجهه .. مندهشاً
ــ أهلاً يا شيخ (.. .. .. ).
نهض ينفض يديه في سرواله والسديرى .. سلم علي ورحب .. وفوق سور الحقل جلسنا نتحدث .. تضحكنا سوياً برهة .. ثم أخذت راتبي .. وشكرته .. وانصرفت ..
عم بخيت..رجل عجيب .. لديه قدره فائقة .. في حفظ ما يقرب من عشرة ألاف عامل يأتون إلي الإدارة.. من كل بلاد الله .. وبديهته حاضره دائماً.. ذكائه متوقد.. وفطرته سليمة .. الكل يحبه .. فهو شهم .. وإبن نكته .. خفيف الظل .. والدم .. أذكر مره في بداية تعييني .. ذهبت إلي الإدارة القديمة .. فلما رآني .. أخذ يكلمني .. ويضحكني .. وكأنه يعرفني من زمن فات .. رفع الكلفة .. وتخطى الحدود , والرسميات .. ولآني كنت لا أعرفه بعد .. غضبت .. وثرت في وجهه .. فتركني وانصرف .. دون أن ينبت ببنت شفه .. غير إنه أخذ يضحك .. وهو يضرب كف بكف .. فعجبت لصنيعه .. ودهشت لما حدث .. فسألت عنه .. فأوقفوني علي حاله .. فرأيتني أتقرب منه .. كلما جئت إلي الإدارة .. لآكلمه .. وأمازحه.. بعدما تأسفت له .. علي ما بدر مني وقلت له :..
ــ إللي ما يعرفك يجهلك يا عم بخيت ...؟1
ومن حينها صرنا أصدقاء .. وأصبحت واحداً من الذين يحفظ إسمهم جيداً.. ويضحك معهم .. والذين إذا ما قابلوه في الشارع .. يسألوه عن السمك , وأخباره .. وهل هو كبير , ولا صغير .. وهذا الرمز يعد من إبتكاره .. للرواتب .. والبدلات .. التي نتقاضها..والتي لا يعلمه إلا كل من ذهب إلي الإدارة .. ليقبض راتبه الشهري وسمع عم بخيت .. وهو يرفع صوته في تصفيق حاد
ــ أوعي السمك الصاحي .. .. السمك الكبير ..؟؟!
" فالسمك الكبير يعني الراتب .. واما السمك الصغير فيعني بها البدلات "
البارحة ذهبت إلى الإدارة الجديدة.. لآقدم بيان حالة.. وأقبض البدلات المستحقه ليّ .. لمحته .. وهو يدخل الإدارة .. وبيده ورقة شاي كبيرة .. فناديت عليه .. لآسأله عن أخبار السمك .. فالتفت بوجهه ضاحكاً .. وقال بصوت عالٍ :
ــ يا مسهل .. لسه ما فيش حاجه جاتت حتى ألان ..!
تجاوزنا السلم سوياً .. ومكتب الصراف .. ثم جلست علي احد المكاتب .. في الغرفة المتاخمة لمكتب الصراف , الذي لم يأتي بعد , والساعة تخطت العاشرة صباحاً .. لاحظته وهو يضع الشاي فوق النار .. وهو ينشد لـــ "ياسين التهامي " فهو متيم به .. وبقصائد المدح , والذكر .. وكان يتمايل برأسه يمنيناً .. وشمالاً مصفقاً بيديه السمراوين تارة .. واخرى يطوح بهما في الهواء .. وكأنه في حضرة .. أو حلقة ذكر
ــ يامدد يامدد يامدد .. يا عم يا فرغل يا مدد .. يا سيدى أبا العالمين المدد ..
وهو في حالة وجد , وهيام تام .. فأخذت أضحك في سري .. وأنا متجاهله تماماً .. لكني كنت اتابعه بأذني , وعيني احياناً .. حتى يستمر في الأنشاد إلى أخر ألقصيدة فجأة توقف عن الغناء , والتصفيق , والمدح .. وقد إلتفت إلىّ زاغراً .. بنبرةٍ حادةٍ .. وهو يصب الشاي في الآكواب , الزجاجية التي امامه.. وقد أبتسم في وجهي
ــ ما دام مش قد الحاجة بتعملوها ليه ....؟!!!
فهمت قصده .. واكتفيت برد الأبتسامة عليه .. واسترخيت علي المقعد .. ووضعت يدي علي خدي .. واخذت افكر فيما سأفعلة بعدما اعود الي المنزل .. وراحت عيناي تستسلم لتعسيلة مفاجأةٍ .. فالمروحة فوق راسي .. والجو حار.. وكنت متعباً.. ومرهق
ــ انت هتنام هنا ولا إيه !!
ــ أصلي المكان بعيد يا عم بخيت .. والدنيا شمس .. والواحد منا ما بيصدق يجي ..!
هز رأسه,وهو يعبر الممر..متبختراً في مشيته.. ليقدم الشاي للموظفين الذين حضروا وهو يقول بصوته الجهوري .. المتميز بالكنة الصعيدية ..
ـــ هات بطانية للشيخ يا ولد ... !
وعندما جاء الصراف .. أخذت مستحقاتي المالية.. وانصرفت تاركاً الإدارة خلفي .. وعم بخيت.. منهمكاً في قصائده التي يحفظها عن ظهر قلب .. والمدح .. وإعداد الشاي .. فأشرت إليه بيدي ــ مبتسماً ـ أن سلام ــ فأشار هو بيده فوق رأسه ـ مبتسماً ــ أن سلام ــ






























قصة قصيرة
دخان الشتاء
بقلم / علي السيد محمد حزين

في البدء .. كان صياح ديكه .. والشمس طالعة .. والثكنات الريفية .. يتصاعد منها دخان الحطب .. وكانت أرض واسعة .. وسماء دائمة البكاء .
وكان والد وبنت .. الوالد شقي وعفريت ..هكذا ينعته الجميع ..عوده اخضر كسنابل القمح .. يفهم "هرش البنات " وحين يندس وسطهن .. يصيخ السمع يضحكن .. ويقطعن حديثهن .. عن العريس المنتظر .. ولليلة العمر .. وبيت العدل .. والبنت بدر لم يكتمل تمامه .. تحب الولد الشقي.. ولا تلعب إلا معه
ـ تبجي نلعب عروسة وعريس ...
ـ لا ... نلعب الثعلب فات , فات ...
ينتصف النهار .. تحت جزع النخلة العوجاء .. المرابطة علي الطريق .. براقصها الريح .. تسكنها جنية ...عاهر .. عندما تنقطع الرجل عن الطريق تظهر عارية تماما .. حاسرة الرأس .. وتقول روايات القرية أن .." خلف هنشر " ذلك الرجل الآدمي .. الذي تحول حاله.. فجأة .. ونطوي علي نفسه قد تزوجها .. وأنجب منها أطفالا صغارا .. كثيرا كان الناس يسمعونه .. يحدثهم بكلمات غير مفهومة.. فإذا ما سأله أحد..عما يتمتم به يهرش في جنبه .. ويقول ....
ـ " والله ما أنا عارف "
وكان المطر يغسل القرية .. ليلبسها ثوباً اخضر .. فتصبح مبهجة للعيون وزنابق الحقل .. لا تفتأ ترفرف تحت الفراشات .. والعصافير الملونة .. والولد والبنت يقفزان .. يضحكان .. يلعبان .. يمرحان .. تحت النخلة العوجاء .. فالجنية لا تظهر للأطفال .. منذ تزوجها .. " خلف هنشر " .. يأمرها ألا تظهر لسواه .. يأمرها فتطبعه .. ابتسم لها في قيلولة .. لم يخف منها .. لم يعنفها كباقي الرجال .. الذين عرضت عليهم أن يسّيجُوا براحها فعشقته .. فسكنت فيه .. فتزوجها .. البنت تبتعد عن الولد الشقي .. العفريت .. تجري في المكان .. تلهو تلعب .. تضحك .. فتفصح عن جُمان .. والريح يداعب سعف النخيل .. وشعرها الذهبي .. وطرف رداءها .. تدنوا متبخترة .. مسفرة عن بدر .. مكتمل تمامه .. تقف ترنو في صمت جميل .. بينما الولد الشقي .. يصنع حصاناً .. وسيفاً من جريد النخلة .. ليضرب به طواحين الهواء .. وهو يصيح بصوت رخيم .. والنخلة العوجاء .. ترتجف علي الطريق .. ويدوم اللعب .. والضحك .. حتي إذا ما بدأ يظهر .. " خلف هنشر " يدب علي الطريق أشعث .. أغبر .. رث الثياب والهيئة .. ذو عمامة مهربدة .. وقامة طويلة.. وقامة طويلة .. ومنكبين عريضين .. يهرش في جبينه .. وهو يبتسم للهواء .. يمتطي الولد الشقي صحوة حصانه الجريد .. شاهراً سيفه .. وردفه .. البدر ..الذي لم يكتمل .. يصهل كالحصان .. يضرب قدميه الصغيرة الأرض .. والبنت متشبثة في أهدابه .. وهو يدير رأسه كالحصان .. يتنحنح .. وينطلق بقدمين حافيين في الأرض الواسعة أمامه قبل ان يصل إليها .." خلف هنشر ".. والريح تصفر .. فتزمجر الأشجار العتيقة .. والمطر يهطل .. وينهمر بغزارة .. والبرد صولجان ..والشمس غائمة .. والأولاد محتشدون عند الجسر .. يهتفون بكل قوة .. أنشيد ساذجة ..تستحث المطر كي يرخ " حجارة حجار .. او عنب وتين " يدخل الولد الشقي .. والبنت وراءه .. وسط أمواج الصبية المتلاطم .. وهم يجوبون الشوارع .. والطرقات .. ويهتفون في وجه السماء .. ويظل الموكب يسير حتي المساء .. والولد الشقي يضرب بسيفه في كل اتجاه .. حتي وصلوا الي " السبيل المهجور " بجوار " جنينة صدقي " عند الجسر الحربي .. ذلك الذي يسكنه " خلف هنشر " في الشتاء .. يرتعد الأطفال من السكون الذي يخيم المكان ويلف " السبيل المهجور .. يفزعون .. ويفرون في عشوائية .. فيصيح الولد الشقي فيهم يجمع شتاتهم من جديد .. ويسلك بهم طريقاً آخر وهو في المقدمة .. يهتف .. وهم خلفه يرددون
ـ " مطري يا مطرا .... ...............
وكانت الشمس تميل للغروب .. والبنت تلتقط التمر .. المبعثر تحت جزع النخلة .. تملأ جيوبها .. والولد الشقي يرج النخلة بالحجارة .. ثم يجلسان .. يقتسمان ما جمعت من الحب بينهما .. ويفترشان الأرض .. يتفرس خضرة عينيها .. يهدأ الكون من حولهما .. ويرقد في سكون جميل وقد هدأ المطر قليلاً .. والشمس تبتسم في خجل من خلف السحُب البيض .. وهي سائرة في بطء .. متشكلة بأشكال حسنه .. فوق النخلة المرابطة علي الطريق .. والعصافير تزقزق . والقمري .. البنت تقطف من زنابق الحقل .. زهرة صفراء .. تنحني عليه ضاحكة .. وهو يرفع عقيرة صوته بالغناء .. تضع قبلة علي خده الصغير الأبيض .. وبصوت ناعم :
ـ تفضل ...
ـ الله ... حلوة قوي .....!!
ـ أعجبتك ...؟
يومئ برأسه .. راضياً صنيعها .. فجأة .. يميل نحوها .. يُقبلها بغتة .. تنهض واقفة .. ابتعدت .. وقفت .. أطرقت .. صمدت .. وخديها حمراء من الخجل .. وشعرها الذهبي أسكن هوجته المطر .. برهة قصيرة .. تدنو منه ..تمد يديها الصغيرة البيضاء .. الملتفة .. توقفه من جلسته .. والشمس تلملم خيوطها الأخيرة .. من فوق الأرض وشوا شي النخيل .. والسكنات الريفية يتصاعد منها دخان الحطب..وصياح الديكة .. وفي الليل يزيلان ما علق بهما من الطين .. والغبار ثم يأتيان الجد العجوز .. يلتفان حولها أمام النار .. تحت المصطبة في وسعة الدار .. والحطب المشتعل يطقطق .. والسنت اللهب تمتد لتلفح الأيدي الصغيرة .. الملتمسة للدفء ... وتنير الوجوه البريئة ..
ـ الدفء يا العين يا أولاد .....!!
ـ أحكي لينا يا ستي ............؟!
تضحك العجوز .. حتى تظهر نواجذها المخلعة .. تقترب الحطب من النار وتنفخ الدخان الكثيف .. الذي يلف المكان ...
ـ ما اشبعتوا حكي ....؟!
تستند علي يديها .. تنهض في بطء .. تسرج المصباح .." نمرة عشرة " تضعه بعيداً عن الخص .. وأيدي الصغار .. في كوة في الحائط .. حالكة السواد .. وتعود .. وما زالت أثار الضحك فوق طرقات وجهها الذي حفرته الشيخوخة .. والمرض ..
ـ أحكي لنا عن العفريت .. والنبي يا ستي ..!!
تضحك العجوز .. وتبدأ مثل المعتاد .." تصلي علي النبي " .. والولد والبنت مرهفي السمع ... وكان الدفء .. وكانت البراءة .. والسعادة ترفرف في جنبات البيت الكبير .. والأرض الواسعة .. والسماء مرصعة بالمصابيح ...

..... يقول الراوي : ...

" ذات صباح .. اختفت البنت الصغيرة .. أما الولد الشقي بحث عنها فلم يجدها .. وسأل الجدة العجوز والبنات الآتي يهرشن .. ولما يئس .. وتعب .. جلس كل يوم .. تحت النخلة .. علي الطريق .. يده علي خده حزين .. يرسم ويكتب .. .. ولما دار الزمان واستدار .. وصار الهلال بدراً مكتمل ... عرف الولد الشقي أن البنت .. التي أحبته صغيراً .. تزوجت ولداً أخر .. .. وأنبتت له سبع سنابل خضراء .. أما "خلف هنشّر " ..أمسي صورة معلقة في فاترينة .. واقفاً كهبته القديمة .. يده في جنبه .. يهرش .. وهو يبتسم للهواء ...........






الكاتب في سطور
الاسم : على السيد محمد حزين
يعمل : إمام وخطيب بالأوقاف المصرية
وإسم الشهرة: على حزين
العنوان : ساحل طهطا / سوهاج
عضو عامل في نادي أدب طهطا
وعضو مركزي , محاضر مركزي ..
ودعي للعديد من المؤتمرات الأدبية منها علي سبيل المثال لا الحصر " المؤتمر الأدبي الخامس عشر لإقليم وسط الصعيد الثقافي " الخطاب الثقافي وسط الصعيد ( الواقع والمستقبل ) 3/ 3/ 2015
البريد الإلكتروني : alielsaeed472@yahoo.com
نشر في العديد من الجرائد والمجلات الادبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية ـ والأهرام المسائي ـ وجريدة المساء ـ ومجلة أقلام " وغير ذلك العديد من الصفحات والمجلات والدورات الأدبية التي تتصل بعالم ما يسمي الفضاء الإلكتروني .ــ وله ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة " دخان الشتاء" من الهيئة العامة لقصور الثقافة.."وحفيف السنابل " و" أشياء دائماُ تحدث "عن فجر اليوم للطباعة والنشر وفاز بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية لنادي أدب طهطا .. وللمراسلة ــ ساحل طهطا ـ حارة العبد ــ سوهاج تليفون محمول 01203704015 وتليفون ارضي 4761104

_________________
اعداد
محمد عبد القوى حسن

maa66aa66@hotmail.com
avatar
وكالة انباء الادب العربى
المدير العام للمنتدى
المدير العام للمنتدى

عدد المساهمات : 264
تاريخ التسجيل : 30/04/2010
الموقع : www.maa66.malware-site.www

http://www.maa66.malware-site.www

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى