وكالة أنباء الادب العربى
مرحبا بكم فى وكالة انباء الادب العربى

موسوعة كتاب القصه بمصر / احمد البدرى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موسوعة كتاب القصه بمصر / احمد البدرى

مُساهمة  وكالة انباء الادب العربى في الأحد يناير 31, 2016 5:21 am



[url=]
احمد البدرى[/url]

يت النمل
بيت النمل



فقاعات الهواء تتزاحم طاردة بعضها البعض .العراك المستمربين ذراتها ،الأناء فوق الراكية تهتز بسرعة عالية وكأن الجن النائم فى أجساد الجمر أسفله يراقصه. كاد يتفصد من المعارك داخله وخارجه، تسربت الأبخرة فى صورة زفير ارتفع عنه الغطاء محدثا صوتا توالى معه هروب الأبخرة .اعتلت تلك الأبخرة هواء الحجرة فاستسلم لها دون مشقة منها.شغلت الحجرة كلها صار جوها رطبا . ارتطمت بالجدران الضيقة تكاثف عليها أخذت قطرات الماء فى التساقط ، لم يعبأ بشئ عندما لفحه الهواء الصاقع المشبع بالماء، بالكاد حرك قدميه الممصوصتين فى انتشاء عجيب أفرغ الاناء من بقايا الماء الساخن فى كوب صغير . رفع الكوب المملؤ بالشاى الأسود إلى شفتيه الغليظتين فى ايقاع موسيقى متداخل مع صوت رشفات الشاى . أخذ يحرك يديه بالتناوب ،باحثا عن مخلفات عمره الضائع منه بلا هوادة .هذا العمر الساكن فى أحشاء بعض من الوريقات الصفراء . أفرغ حزنه فى سيجارة لف ،وتمتم بكلمات كان يحفظها،كى يتغنى بها فى وحدته طاردا الخوف من نفسه أثناء الخدمة بالوحدة مع تصاعد نبرات صوته كلما أوغل فى الغناء تتجلى أمام عيونه صور قديمة لزملاء المعسكر والشاويش عبد العاطى . هب واقفا سبقته دمعتين ملحتين ،وتبعهما سيلا من الدموع ينحر فى وجهه الممصوص خطا جديدا يتشابك مع تلك التجاعيد النائمة فى راحة منذ سنوات . كلما انتقلت يداه من ركن الى آخر فى الغرفة اصطدمت بشئ جديد قد أهمل وجوده من فترة ،أخذت أنامله تتبادل مسح دموعه تارة وتجلى تلك الأشياء من النسيان والتراب . محاولا اعادتها للحياة تارة أخرى .
فكلما سقطت نظراته على شئ أحس بأن الروح عادت اليه من جديد .صار أكثر حيويةونشاطاعن ذى قبل .
توالت أنغامه الشجية ، تحول غناؤه الى رقص رويدا رويدا ، انتابته حالة ما بين الحزن والفرح يضحك تارة ويبكى أخرى .






استمر فى بحثه حتى اهتدى الى ضالته ، فتح ملف أصفر تآكلت أطرافه ،تعلوه حروف سوداء باهتة "بيت النمل" انتابت يده رعشةعندما امتدت الى الملف تلتقطه من بين جماعات النمل التى بنت بيوتها داخله . عندما فتحه هاجمته جيوش النمل تدافع عن أوطانها ...تحلى بالصبر لبرهة ؛ لكنه عاود المحاولة ،ازداد عدد المقاتلين ، ازدادت شراستهم ، تراجع ... تقهقرت يده إلى الخلف . رن فى أذنيه صوت الشاويش عبد العاطى: "مت ولا ترجع إلي الخلف أبداً" فاجأته جيوش النمل . زحفها كان أسرع من تفكيره . اخترقت حصونه بلا رحمة ، لم يعقيها عائق . سقط الملف أسفل قدميه ، مابداخله. فكر فى جمع أوراقه المبعثرة . كانت جيوش النمل تحتل يديه وأجزاءً من جسده .
نظر أسفله بعضاَ من النمل يشكل حصاراً جديداً حول قدميه . حاول أن يدهس تلك الجيوش ظناً منه .. ربما تراجعت إلى مساكنها ، لكن هذا لم يحدث . دقق النظر فى الملفات وجد صورة نائمة بين الأوراق للشاويش عبد العاطى يقهقه .. أعاد النظر بإمعان لم يجد عيون الشاويش ، كان النمل اخترقها .اقترب من الراكية .. مازال النمل يحاصره . داست جيوش النمل على شهادة تأدية الخدمة العسكرية لم يتعرف على لونها ، وقد تبدلت ببيوت طينة لزجة ، قد بنيت فوقها باحكام . انتابه غيظ شديد. فى خفة أمسك بإناء الماء من فوق الجمر ، وبحركة يائسة سكب ما بداخله على أجزاء جسده .. لم يهربالنمل .. ازدادت جيوش النمل عدداً .. احتلت الميدان كله ؛وكأنها تناسلت وتكاثرت وانجبت فى وقت واحد، لم يجد بداً سوى الاحتماء بالجمرات . الخوف أفقد جلده الحس . أخذ يهذي بكلمات حفظها من الشاويش . تحولت الكلمات إلي عويل عندما إمتزج جلده بالجمر ببقايا ملابسه الملونة بقليل من بيوت النمل

ر السنط .....لايموت
كنًا صغاراً نصنع ممرا حريريا بأحذيتنا البالية وسط النخيل ؛كى نتلاشي صعوبة الطريق بين منازلنا وبين المدرسة .السابعة صباحا تبدأ رحلة العدو والركض بين الحقول .نحاول قطع المسافة فى أقصر زمن ..نختلس الوقت ‘ وعندمانصل أمام (سنطة مناع) ينحرف مسار أقدامنا تلقائيا نحو السنطة .
نلتقط أنفاسنا أسفلها .. نستظل بظلها الوافر..نلتقط حبات (القرضة) الساقطة بجوار جذعها المتشعب الجذور . نترك لأجسادنا حرية الاستلقاء حول الجذع ؛ فتتشكل الأجساد بخطوطه ‘ بينما تتاخذ أقدامنا من جذورها مرسى ‘ او يمتطي بعضنا تلك الجذور كحمار محاولا إبعاد ملابسه وأرجله عن جدول الماء الجاري أسفلها ، فى أول الأمر ينهر بعضا البعض محذرين الاقتراب من البرادة حتى لايتلوث ماءها .نخرج زجاجتنا الفارغة نملؤها بمائها الزلال . نمد أكفنا نقطف منها ، نرشف حتى نرتوي ، نزيل ّاثار الركض من على وجوهنا المعروقة ..نتسابق فى صيد الزهرات الصفراءمن الماء ، من يجمع أكبر كمية ؟ نتشاجرقليلا نعكر ماء البرادة والجدول .نبنى قصورا من الطين داخلهما، أو نستخرج منهما كميات من الطين نلون به جذع السنطة . هذا لا يمنع إتساخ ملابس احدنا بالطين والماء .يدركنا وقت الطابور الصباحى، فنهرول جميعا إلى المدرسة التى تبعد أمتارا قلائل من السنطة .ينسى البعض جزء من أدواته بجوار جدول الماء . نصل إلي المدرسة متأخرين نصنع طابورا جديدا للغير ملتزمين .تنهال علينا عبارات التوبيخ وأحيانا ضربات خفيفة من الناظر .ينظر بعضنا إلي بعض ،نتهامس ونتغامز على من لطخت ملابسه بالطين .
يستمر حديثنا عنها هياما وعشقا ، حتى ظن أحدنا انها من أشجار الجنة لما تحويه من ألوان زاهية ومتعددة .
نظل هكذا حتى إنتهاء اليوم الدراسى لا سيرة لنا إلا السنطة وما حولها.
بعد إنتهاء اليوم الدراسى يكون أمامنا متسعا من الوقت للهو حولها من جديد .
ظلت السنطة حدث فى حياتنا حتى بلغنا المرحلة الثانوية.نمارس أسفلها طقوسنا وألعابنا . ظننا منا أنها تشاركنا حكايا ت الأمس والغد .
كنا نتخذ من جذعها لوحة لخربشاتنا بأظافرنا وتلوين القلوب المخترقة بالسهام بالطباشير المسروق .

تفرقنا ..صرنا شبابا، لكنها تجمعنا فى لقاء أسبوعى .نأتى إليها محملين بأحزاننا وأفراحنا وأحلامنا . نفترش ظلها نشركها ما فى جعبتنا .
نعاود لهونا وشكوانا لأعوام عدة................
أصبح الطريق عمومى معبد، تتنشر على جانبيه أعمدة الإضاءة الحديثة
نتوقف أمامها نشتاق لأيام خلت وعمر ولى.
أنتشرت حولها الغابات الخرسانية . يوما ما جفت عين الماء ، ردم الجدول،صارت عجفاء ،تلاشت ألوانها، ما عادت تطرح ،تكسرت أطرافها.
أنشغل عنها الجميع ، ظلت وحيدة . ذات صباح حاصرتها أسوار الطوب اللبن
من كل إتجاه .شكلت دائرة هى مركزها ، ضاقت الدائرة ، كادت أن تقتل، لم يتحرك أحد لنجدتها. الوحيد الذى يأتى إليهاعلى فترات متباعدة (صبى الفحام )
؛كى يستأصل جزء منها . ظلت تقاومه ترفض الموت أو الاستسلام لهما.


قصة قصيرة وتبقى وحيدة لاحمد البدرى
وتبقى وحيدة قصة قصيرة
بقلم /أحمــــــــــــد البـــــــــــــــــدرى
على طرف خفى.. بعيداٌعن عيون الناظرين انزوت وحيدة تحجب عالمها السحرى ,ظلت بمفردها تحتضنها تلال الرمال المتعرجة . تضرب بجذورها اإلى الاعماق,وتجاهلها الجميع,فامسكت بالرياح من حولها روضت الريح العاتية باطراف أناملها السحرية,وجهتها كيفا شاءت, وقدتجردت من كسوتها تما ما.تتساقط قطرات الندى على أغصانها العجوز ,فسرعان ما تبتلعها فى شوق وحنين كى تطفىء ظمأ السنين , وتستقوى بها على أستمرار الحباة.تخلق من عالمها الأسطورى بالوانه المتعددة وتشكيلها ا لمتغيرة مع الفصول دوما عالما لايعرفه أحد إلا هو, فياتى اليها كل مساء بوجهه الممصوص غائر المعالم وقد نسج الزمان تفاصيله بخطوطه وتجاعيده المتشابكة, وقد صبغ بحزن جلى,وجسد نحيل أنهكته رحلة الحياة بتفاصيلها اليومية الدقيقة,فيستلقى فى أحضان ملكوتها السحرى تخفيه داخلها متجرعا حزنه الأبدى فوق صفحاتها الندية .تغازله بدلالها وظلها وتسمح عنه أثار صقيع وجفاف يوما كاملا بدفئها المتوهج.. يستسلم لخدرها إثر سقوط عصارتها المتكررة..يفز خدرها حالة من النشوة ..تاركا خلفه كل ماسبق فى يومه غير متذكر شيئا سواها ,فتحنو عليه أكثر..يستسلم أكثر فاكثر.... حتى يلفهما الليل بسكونه وعباءة صمته متدثرين بشوقمها تفيض عليه بكل ما تحتويه .. يلقى اليها بكل ما يتذكره من ألم وهم . تغسله بعطرها المعتق ..يطهرها .يرويها بدمعه الجارى من عيون شهدت الكثير...,صارا كيانا واحدافلايفترقان .يوما ما مات أسفلها..طرحت من بقاياه صبارة .أمتنعت السنطة عن الطرح ز هجرتها الطيور ظلت وحيدة على حواف الغرود بعيدا عن عيون الناظرين


السنطة هى شجرة صحراوية تطرح القردة
الغرود هى تلال الرما



أحلام واقعية





في بلدتنا
دائما للأشياء صور أخرى غير تلك التي نراها.....فتلك النفوس المستقرة فى اعيوننا تحمل بداخلها أشياء أخرى..هكذا حدثني صديق لدود.
_لا أعلم ماذا حدث في هذه الليلة إلا قليلا مما تعيه ذاكرتي التي أصبحت هشة بحكم المرض والسن.



كنا أصدقاء ثلاثة يحتوينا خوف من هلات البرق التي أطاحت بأحلامنا جميعاً دون أن يعلن أحدنا للآخرين عما يجوش بنفسه.
لا ننكر أن رماد وركام الأحلام المتصدعة داخلنا اثر الرعد الذى هاجمنا دون حول منا أو قوة ‘قد غطت بقاياها على ملامحنا‘حتى صارت الوجوه مكفهرة والألسن عابثة خاسرة. لاتعرفها يمكن قوله أو الإمساك عليه داخل الأفواه‘والتي صارت بوابات يخرج ويدخل منها الحطام دون قيد أو شرط.‘وسحب الخوف تظلل أرواحنا التائه في مملكة اللاوعى..‘إلاأن ما تبقى من تلك الأحلام التي لاتعدو سوى خربشات متناثرة في عمق الذاكرة.








-1-



أما حلم صديقنا الأكبر سنا والأوفر حظا.. أن يمتلك بعضا من الطين‘ويشيد قصرا مبنيا من الطوب اللبن يرفعه عدة أمتار عن سطح الأرض بالعمارة التركية المحببة إليه‘وان يجنى ثمار المانجو والموالح من حقله الذى سوف يرويه من حبات عرقه ويسمده بقطرات دمه ‘وأن يتزوج بأجمل حوريات القرية كما كان يدعى ... ويظل يسعى ليلاً نهاراَ ليحقق ما سعى إليه وحلم به ‘ ولكنه مات قبل أن يسكن قصره ... وغدى بعيدا عن أعيوننا إلا إنه ظل يطاردنا بروحه الشريرة . كل مساء يذكرنا بالبرق والرعد ‘ فنهرع جميعا فزعين إلى تلك الأشجار التى تلف من جميع الاتجاهات تلك البركة التى خلفتها الأمطار والسيول على مدار أعوام ليست بالقليلة فنتقافز واحدا تلو الأخر هربا إلى البركة ‘ فكنا نجد صورته تطاردنا من كل اتجاه وبإيحاءاته الغريبة والمستفزة المخيفة ...... ننكمش فنصير كتلة واحدة. تلاحمت أجزاؤها جيدا. يغلفنا الخوف المستمر من الروح الشريرة.
استمر بنا الحال أعوام عدة.يطاردنا ونهرب حتى تعوًدنا وتبدل الخوف إلى لعبة شبه يومية
نمارس فيها كل ألوان شقاوة وسخافات الفتيان . وأصبحت البركة فيما بعد مزار سياحي و منتزه للآخرين والعابثين وسميت ببركة الشبح.





-2-




أما حلم صديقنا الأوسط مختلفا قليلا عن الآخرين ‘ فكان كل حلمه أن يمتلك بعضا من الجياد ذات الأصول المعروفة يروضهن فيتريض بهن فى أطراف مملكته ‘ ويجمع الغزلان الشاردة إلى حظيرته .
كلما سرد حلمه واكتست عيونه بريق ‘فتزداد عيونه اتساعا وتخرج منها أشعة متلاحقة مترامية فى كل الاتجاهات وبزوايا مختلفة‘ وإذ بحركات يديه تتوازى وتتقاطع فى سرعة مرة وببطء مرة أخرى متراقصة مع نبرات صوته العذب الهامس أحيانا ‘ وكأنه فى مناجاة عاشقة ولهة.
وكثيرا ما سكن صوته وملامحه حسرة ومرارة المهزوم وانكسار الفارس .
إلا إنه كان يذكر دائما تلك المهرة التى أرهقته طويلا حتى تمكن من الإيقاع بها . انه ظل عاما كاملا يغزل شباكه لترويضها ‘فصنع لها سرجا من الحرير تميزا لها وحتى لا يترك أى علامات على ظهرها .يومها كان حدثا فريدا بالنسبة له ‘فارتدى أفخم ثيابه ‘وذبح الذبائح وأقام الولائم .ظل يرقص حتى الصباح على أنغام المزمار البلدي ‘وهى أيضا أخذت ترقص منتشية تتمايل بخفة ودلال على ما يصل إلى مسامعها من أنغام .
كان يتودد إليها فيجمع مكعبات السكر ويختلي بها بعيدا عن عيون الجياد . يمد كفه إليها فتلثمه مبتلعة مكعبات السكر ‘فيمرر يده على جيدها ويقبلها قبلات متقطعة ‘فتزداد نشوة وشعورا بالتميز ‘فترقص وتتمطى بجسدها المتناسق فى خفة ودلال رادة له الجميل معبرة عن امتنانها‘
ظلت تلازمه ويلازمها لا يفترقا....
يعاود فيحدثنا عن الغزلان وما يعانيه فى اصطيادهن ووعوًرة وقسوة الصحارى..... حتى أصابه لوث وجنون الجياد والغزلان ‘ فاعتزل الجميع وعسكر بين التلال والجبال لايحاكى أحدا ولا يكلم بشرا.
اتخذ من ربوة مجلسا له فيجتمع حوله الجياد والغزلان يخالطهم ويخالطونه..يأمرهم فيطعون ..
يتوسدهم ليلا ‘ يرعاهم نهارا و يتحدث بلغتهم .


-3-





أما أخرهم فكان كل حلمه أن يعود إلى حضن أمه ينعم بدفئها لعله يذيب صقيع الليالي السابقة مزيلة عنه اثارخوف وعناء تلك الليالي التى قضاها فى وحدته بين التلال والربوع.
حيث انه اتخذ من الكهوف له منزلا ومن سفوح الجبال مرتعا‘وكانت الصحراء الجرداء له مملكة يمارس كل طقوسه على وجهها متخذا منها ملهى ومدرسة محاولا جاهدا أن يتعلم من والده وبعضا من أقاربه كيفية صناعة سياجا بشريا حول قريته المزروعة فى قلب الصحراء وحيدة بعيدة عن باقي مدن العالم ؛مما يغرى الخارجين عن القانون والفارين على غزوها؛فيرد عنها شلالات وموجات الغزو المستمر والمتقطع أحيانا حسب الأحوال مما اكسبه فنون تحطيم وتكسير تلك الموجات‘والغوص فيها وتعلم بمهارة فائقة فنون الاعتلاء فوق هذه الموجات والعودة إلى حدوده سالما غانما فى كثير من الأوقات .
إلا أنً هذا لم يمنعه أن يشتاق لجلسة بين أنداده ؛ليختلس الابتسامات وبعض النكات من بعض الأصدقاء.
كانت الضحكات التى تخرج مزغردة تبث الكثير من الطمأنينة فى القلوب .يروى لهم عن صناعة وبناء التباب والحصون والتجهيز لصد هجمات البدو المقبلة.يلوم قتل والده بعد كر وفر وكيف يطلق سهامه ونباله المحشوة بالحجارة والأجسام المعدنية الدقيقة ‘يشرح باستفاضة استعداده لإطلاقها وما يلزم ذلك من مهارة وعلم بقواعد التنشين والقنص.كان يقضى ليله بين نار الحطب المشتعلة التى تلهب قلوبه


خوف قصة قصيرة بقلم احمد البدرى
خوف

(الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)

صدق الله العظيم





-رحلة قصيرة بدأتها أقدامى المنهكة...حين شرعت في الهروب من روائح البرفانات الممتزجة بالعرق.... ،وتلك البنايات الشاهقة الارتفاع ،حتى إن أنفاسي تخلت عنى. حاولت الرحيل إلى مكان بعيد أقل صخبا وأكثر رحابة..حاولت الهروب إلى أسفل ،ربما يكون الوضع أقل قبحا وفجورا مما رأيت ..الهواء المتجدد بفعل أجهزة التكييف المنتشرة وتلك الدوامات الناتجة عن حركة قطارات المترو المتسابقة ..،جعلت للهواء طعما آخر داخل رئتي المتعبة. دارت حدقات عيناي تلتقط تعبيرات وجوه المنتظرين ..تلك الوجوه المكفهرة وقد أرهقها قلق الانتظار ،إلا أنني لم أطل النظر كثيرا . ألقيت بجسدي المتعب على مقعد وثيرة .. أخذت أتفحص أسماء المحطات المكتوبة على جدران المترو . توقفت لبرهة عند محطة الشهداء ،وقد كتبت بخط رديء ..لم يشغلني الاسم كثيرا ،أصبح غير ذي دلالة داخلي عن ذي قبل. بالأمس تخطيت أنا وبعض الأصدقاء الأسفلت الأحمر ، وقد عرجنا فوق بقايا مجارى لدم سائل.تأكدت ساعتها ،بأن شلا ل الدم سيفتح بواباته من جديد... توقف قطار المترو. جلست على المقهى المقابل للمحطة ..كان للشاي طعما لم أعهده من قبل .. جاءت تتحسس طريقها نحوى ، في البداية لم تلمح عيني سوى أسمال بالية متسخة ،عليها بقايا لألوان ربما كانت زاهية يوما ما ...كانت بقايا أنثى..،وقد احتل صقران متصارعان وجهها ،أسفلهما عيون قد خفت بريقها ،حزن احتلهما بعد معارك ضارية مع عز قديم . تسللنى هذا الحزن .. هزتني تلك النظرات الثاقبة التي توارت خجلا عندما قابلتها بإصرار. صوت الملعقة وهى تقلب بقايا السكر ،كسر الصمت المخيم بيننا. أعقب ذلك همس يحمل حروف الاستجداء ..حاولت تتبع مصدر تلك الحروف ، وكأنها خرجت من بين شفاه صماء ،وقد تحول اللون الوردي إلى لون غريب وكأنه قطع من قديد . كان الخال النائم على خديها قد أزهق الخريف ربيعه يتحرك مع كل حرف يخرج من هذا الكائن المهزوم، وكأنه يشاركه الاستجداء ..... اهتزازات العود الناحل تنبئ عن أقدام في البحث،أو الهروب من فقر محدق . كان اللون الأحمر الذي داسته قدمي منذ لحظات يسكن تلك الخرق البالية..بعضا من دموع متحجرة تحاول جاهدة طرد هذا النائم فوق الحدقات ،وقد سقطت أجزاء من الأجفان . حاولت طرد هاجس التوسل ... الحروف المرتعشة .. تلك النظرات المنكسرة .. تأكدت بأنها ليست ذي خبرة بالتسول . أخرجت بعضا مما أملك . دلفت إلى مطعم حقيرة ابتاعت



قلم احمد البدرى
الشاهد




طرقات متعرجة ..كلاب تنبح .. نسوة متشحات بالسواد ..شمس تميل إلى الغروب روائح خانقة..جو ساده اللون الأصفر الشاحب ..همسات وتنهيدات ..بعض من النحيب .كلها جميعا رسمت لوحة قاتمة يفوح منها الحزن والكآبة.
استلت جلبابا أسودا قديما ظل مهجورا أعواما ليست بالقليلة. بحثت كثيرا في أغراضها علها تجد ما يناسب هذا الموقف . رسمت بعضا من ملامح الحزن علي وجهها .. اخترقت الحارات الواحدة تلو الأخرى ..وصلت إلي شارع جانبي تخطت السور الفاصل بين عالمين. جلست أمام القبر تتلو آيات من القرآن تملكها الخشوع .جالت بنظرها هنا وهناك . العيون تصطدم بأسماء نامت فوق الشواهد .تباينت الأسماء فمنها المشهور، ومنها المغمور .كما اختلفت ألوانها وأشكالها وخاماتها فمنها المصنوع من الطين ومنها المصنوع من الطوب اللبن وبعضها من الرخام والجرانيت .
انشغلت بتجفيف الدموع المنسكبة بغزارة ومرارة،أتت على ما تبقى من نضارة عابرة .وجنتاها تشي عن جمال قديم سكنها .
تلك العيون السوداء المتلألأة تحمل داخلها الكثير من الحرمان والشوق والحزن الباهت.
أقبل الليل فأرخى بستائره على المكان .كان يقف هناك .بعيدا يلاحظ حركاتها وسكناتها .انتظر حتى يتسربن الأخريات من القبور ورائحة الموت .لم يتبق منهن إلا القليل. أغلبهن حديثات العهد بزيارة المقابر .. تناثرن حول الشواهد. كن مشغولات في ثرثرتهن وذكرياتهن . لم ييأس وظل ينظر ......بقيت وحيدة تحدق في الشاهد الرخامي .فجأة ظهر أمامها .دقق النظر ..حدقت في ملامحه ..لمعت عيونها ..سرق بين شفتيها بسمة خجلي .مد كفه ..نامت راحتيها بين كفيه الغليظتين . مقدما إليها واجب العزاء بعد أن عرفها بنفسه .لم ينس أن يعرض خدماته عليها .
اهتزت خلجاتها لغزو نظراته الثاقبة ،وعدها بلقاء آخر تركها ورحل صار ثوبها الفضفاض لا يقوى على ستر ما بداخلها .أعادت الكرة . نظرت إلي الشاهد ،تطلب منه السماح ،وتوسلت أن تعيش حياتها مرة أخرى .

تفصد الشاهد منبىء عن مولد قط أسود أرقط . نفض عن جسده ذرات التراب العالقة به . خرج منه مواء غريب . كان خليطا من صوت آدمي وصرخات القطط .كان الصوت وكأنه قادما من أعماق زمن سحيق . وجه نظراته . . كشفت كل ما حولها ..كانت تلك الموجات المشعة الخارجة من عينيه تصيبها بالرعشة .تملكت جسدها رجفة قوية .أحست وكأن الأرض تقتلع من أسفلها ،وأن السماء تتساقط فوق رأسها .

انقطعت أنفاسها عن الخروج . قفز القط بين المقابر واحدا تلو الآخر .. حاولت العودة إلى صوابها أكثر من مرة حتى اهتدت بصعوبة بالغة إلى مخرج . تلمست شريط صغير بالكاد يسمح لقدميها بالمرور .. وضعت نفسها عليه . أقدامها تتخبط بين القبور . تمر على هذا الشريط الرفيع جدا المتعرج حتى وصلت بوابة الخروج .
تركت عالم القبور . أخذت تجرى بين الحواري . ظلت في فراشها لأيام جثة هامدة لا تنطق حرفا أو ترفع جفنا . توالت الأسئلة على أذنيها لكن أنقطع الرد تماما . طوفان الأسئلة يتناول أحداث المقابر و غيرها .... قالت النسوة ربما تلبسها جن ..فشل هذا التفكير بعد قدوم الدجالين والمشعوذين . أتفق الأطباء على خلوها من أي مرض عضوي .

كانت تسبح في عالم مجهول لم تعرفه من قبل .. أحست بالدفء في عالمها الجديد . تركت لنفسها العنان .. توحدت في أحلامها . لكن صدى صوت الرجل مفتول العضلات يقتحمها عدة مرات . تمنت أن يكون معها يشاركها وحدتها ويقطع تطفل الآخرين . تمنت أن تلقى بجسدها بين ذراعيه أو يكرر كلمات الشوق والغزل ...تمنت لو يغسلها من حزنها ..أو يطفيء تلك النار التي تسربت إلى جسدها و روحها . ظلت تناجيه .. مازال الأخريات ينظرن إلي جثة هامدة .



أسدل النعاس ستائره فوق العيون . تسلل القط بين المقابر . تعرف على أصحابها واحدا واحد ، وكأنه يودعهم .اعتلى السور الفاصل بين عالم الموتى ودنيا الأحياء . صدى خطواته على الطريق الأسفلتى يهز جدران البيوت المتهالكة حوله . تلمس طريقه إلي البيت مقصده . كان الظلام متسيد المكان . أخذ يقفز فوق أسطح البيوت المتواضعة . يتنقل من سطح إلي آخر ..يشاهد ويراقب ..يجرى هنا وهناك .توقف أمام غرفة متواضعة ينبعث منها ضوء خافت . في أرجائها أطفال نائمين متناثرين بلا فرش أو غطاء . . جثث بطونها خاوية وأنفاس لاهثة محملة بالعفن . خطف بصره ضوء أحمر فاقع محمل بروائح و بر فانات خانقة ممتزج برائحة عرق لزج ، وأجساد متكورة فوق بعضها .اهتدي بصره إلي جسدين متلاصقين . تعرف على الجسد الأنثوي . هذا الجسد يعلمه جيدا .. كم تذوقه وأكتوي بناره .. هذا العطر مازال يسكن في أنفه . تبسم في حسرة وألم . أخذته الرعشة . مرر شاربه على وجهه . همهم .. سقطت منه دمعتان . هبط وقد ضاق به الكون . ظل يراوغ نفسه . عندما وجد المرأة التي كانت بالأمس تبكيه . مسترخية بين ذراعي رجل آخر . تخطى الأسطح . هبط إلي سوق اللحم . توقف أمام صف من البشر . ابتلع ريقه .. جرى لعابه أمام اللحمة المعلقة . أشتهى ولو قطعة صغيرة منها . تسلل حتى وصل إليها . هبطت ضربة على رأسه . فقد توازنه للحظات . أغلق صديقه الجزار محله . تسلل خلسة إلى داخل المحل عله يجد بقايا من اللحم . قضى ليلته بين جدران المحل . نظر حوله كانت صورة صديقه معلقه على الجدار . اعتلاها . بال عليها ... تشققت الجدران.. استكان في أحد الشقوق . عاد إلى عالمه
سكن الشاهد مرة أخرى ...لم تعد لزيارته من يومها


السيرة الذاتية :-
الأسم : أحمد بدري حافظ اسم الشهرة احمد البدري
المهنة : مهندس
الاقامة : الخارجة - الوادي الجديد
عضو مؤسس نادي ادب الخارجة
عضو مجلس ادارة نادي ادب الخارجة اكترة من دورة
عضو مؤتمر اقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي اكثر من مرة
عضو مؤتمرأقليم وسط الصعيد الثقافي
عضو اقليم أدباء مصر في الأقاليم أكثر من مرة
عضو الأمانة العامة لمؤتمر مصر اكثر من مرة عن الأقليم
عضو الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر والعرب عن محافظة الوادي الجديد
عضو مؤسس لنادي القصة بالصعيد
فاز بأكثر من جائزة محلية وإقليمة في القصة القصيرة
نشر في اغلب المجلدات والمجالات والجرائد المصرية والعربية والدوريات الأدبية
صدر له :-
١- مجموعة قصصية ( شقوط الأقنعة ) النشر الأقليمي عام ٢٠٠٠
٢- ديوان شعر عامية (الصدي) دار اسلام للنشر والتوزيع. عام ٢٠٠٢
٣- مسرحية للاطفال ( اللعبة). اقليم جنوب ووسط الصعيد
٤-مجموعة قصصية ( شجر السنط لايموت ) عام ٢٠١٤. النشر الاقليمي
٥- ديوان شعر عامية ( الوحع ) عام ٢٠١٣ جمعية زايد للتنمية الثقافية باسيوط
له تحت الطبع :-
١- رواية (عودة يوسف)
٢- مجموعة قصصية (بيت النمل )
٣- مجموعة ق.ق.ج ( من وحي عينيها)

_________________
اعداد
محمد عبد القوى حسن

maa66aa66@hotmail.com
avatar
وكالة انباء الادب العربى
المدير العام للمنتدى
المدير العام للمنتدى

عدد المساهمات : 264
تاريخ التسجيل : 30/04/2010
الموقع : www.maa66.malware-site.www

http://www.maa66.malware-site.www

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى